بأقلامهم

صفقة ” كاريش” : الرابح الأكبر إسرائيل، ورفع الحصار تدريجياً حتى التطبيع الكامل!/ المحامي لوسيان عون

المحامي لوسيان عون – كاتب ومحلل سياسي

كان يصعب في البدء قراءة مجريات عملية ترسيم الحدود البحرية مع الدولة العبرية ،وكان تمسك لبناني عسكري بايعاز رسمي بالخط ٢٩، لكن سرعان ما انجلت الحقائق وكشف النقاب عن صفقة ” العمر” التي حلمت بها إسرائيل، ولم يحقق منها لبنان سوى اعتراف اسرائيلي بجزء من حقوقه أصلاً مع اقرار لبناني بالتنازل عن جزء من حقل قانا لاسرائيل مع فارق ان شركة توتال هي التي ستتولى تسديد حصتها من نتاجه النفطي للدولة العبرية، مع اعتراف النائب بو صعب بجهله مضمون الاتفاق بين توتال واسرائيل!
لقد كثفت الدول الكبرى التي عملت لصالح اسرائيل على المكشوف ضغوطها وحصارها على لبنان منذ سنوات ،مالياً واقتصادياً ومعيشياً ،ولم يكن خافياً على احد أنها منعت ترحيل النازحين السوريين عن ارضه كي يبقوا عبئاً عليه، لا بل كانت تؤمن لهم حوافز معيشية حرم منها اللبنانيون ،فاغدقت عليهم العملة الخضراء والمخصصات والحصص الغذائية والمسكن والمأكل والمشرب والدواء والاستشفاء والتعليم ،فيما حرمت اللبنانيين النفط والفيول والمازوت ، وحتى جوازات السفر مانعة من تزويد الامن العام بها، كل هذا من اجل الاعتراف باسرائيل وترسيم الحدود البحرية معها والتراجع عن الخط ٢٩ ،حتى الخط ٢٣، وبذلك التنازل عن حقل كاريش وجزء من حقل قانا، وهذا ما اكتسبته اسرائيل الى الابد.
اليوم، وبعد اقرار الترسيم بات مسموحاً تزويد لبنان بالفيول وتحسين وضع الكهرباء وثمة حلحلة مفاجئة بموضوع جوازات السفر لدى مديرية الامن العام، واعطي الضوء الاخضر ببدء ترحيل النازحين السوريين.
فالجولان ضمته اسرائيل اليها عام ١٩٨١ بقرار من الكنيست وهو قابع فوق اكبر حقل نفطي في العالم لكن النظام السوري لم يرسم حدوده معها، وكذلك بقيت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ملكيتهما غامضة، والعالم يترقب انسحاباً مفاجئاً اسرائيلياً منهما تمهيداً للتطبيع الشامل مع لبنان كما حصل بموضوع الترسيم ،اما مع مصر والاردن فقد تم ترسيم الحدود معهما من قبل اسرائيل ،
اسرائيل اليوم قطعت شوطاً كبيراً على خطى التطبيع مع لبنان.
لقد اعترفت الدولة اللبنانية بدولة إسرائيل
وستوقع اتفاقية متكاملة ستضم الى قيود الامم المتحدة بحسب القانون الدولي بترسيم الحدود النهائية بين البلدين الجارين
وان لبنان بذلك قد تنازل عن كل الشعارات السابقة : ” فلسطين المحتلة” و ” الكيان الغاصب” لانه لا يمكن ان توقع دولة مع كيان غاصب معاهدة تعترف في خلالها بشرعيتها وبصفتها وبكيانها وحدودها معها، وعلى هذا الاساس يكون لبنان قد سار اميالاً كبيرة على طريق التطبيع الشامل مع اسرائيل.
كما أن لبنان اجاز لاسرائيل استثمار كامل الثروة النفطية جنوب الخط ٢٣، ولن يحق له اعلان الحرب عليها بعد اليوم ما يشبه الضمانة لها، وهي ضمانة شاملة غير قابلة للتجزئة اذ ان الحروب بين الدول لا يمكن تقسيمها الى مناطق ساخنة وباردة، اذ ذاك يكون هناك عمالة وتواطؤ بين الفريقين على تحييد أجزاء معينة ، خاصة وان اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين تضمنت ضمانات دولية اميريكية واوروبية قوية وباتت مصداقية الدولة اللبنانية تجاه حزب الله على المحك وهو الذي اعطى بدوره الضوء الاخضر الذي يشكل موافقة صريحة عليه بكامل بنوده.
اذاً اسرائيل غداً غير اسرائيل الامس، انها ورشة عمل عملاقة ستنشط على استثمار مئات المليارات من الدولارات من اعماق بحارها بعدما انتزعت كالحلم اجازة دولية مقرونة بموافقة ” المقاومة” والدولة اللبنانية على انتعاش ماسي لم تشهده دول الخليج العربي في عز تألقها بفعل الثروات الضخمة التي ستجنيها من بحرها، وقد امنت ظهرها امنياً غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً لتأسيس دولة كبرى لعقود الى الامام، والكل يعرف اين ستستثمر هذه الثروات العملاقة على التسلح والصناعات النووية والغير التقليدية الى درجة ستصبح خزان الغاز البديل لنصف الكرة الارضية،
قد تكون هذه فرصة للبنان ان عرف استغلالها، وانصرف لنشأة دولة مستقرة مسالمة حيادية للنهوض من قعر جهنم الذي شهده هذا العهد الذي يعد ايامه الاخيرة، وهو الذي يملك ٢٠ بلوكات نفطية لم يحسن طوال ١٣ عاماً استخراج برميل منها نظراً لفساد الطبقة السياسية التي حكمته،
وربما كانت حاجة ” فلسطين المحتلة” سابقاَ ” اسرائيل اليوم” بمفهوم الدولة اللبنانية الجديد، للاستقرار والسلام لاستخراج النفط، فرصة للبنان بعيداً عن احراق لبنان منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ ،فيما لم يعترض اهل الارض على قضم ثرواتهم ،واستخراجها بهناء وهدوء وضمانات دولية ولبنانية….
عله درس للامم التي حملت على ظهرها نكبات الآخرين ومآسيهم وتحملت اوجاعهم ودفعت اثماناً باهظة حروباً ومجازر وويلات ،وفي نهاية المطاف يطبق المثل القائل :
” مات الملك…. عاش الملك” و” السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة “، و” حجة الأقوى تبقى الافضل “،
رحم الله شهداء لبنان ، وامن الرخاء والازدهار في ربوعه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى