شريط الاخبار:

المشنوق... ضيف السعودية "المدلّل" في زمن تصريف الاعمال

لا تسجّل الذاكرة في مجال "لفظ" الحكومات "أنفاسها" الأخيرة، حين تكون في مرحلة تصريف الاعمال بانتظار ولادة حكومة جديدة، أن إستقبل رئيس حكومة أو وزير "يصرّف الاعمال" بحفاوة في دولة معنية مباشرة بالملف اللبناني (أو غير معنية)، كما حصل لوزير الداخلية نهاد المشنوق في زيارته الأخيرة الى السعودية.

زيارة رسمية وحفاوة غير عادية وبرنامج عمل مكثف لوزير يبدو في أولى أسابيع عمله في وزارته... وليس في آخرها. كان لافتاً، حتى بالشكل، التغطية "الاعلامية" لوصول الوزير البيروتي الى مطار جدة وإستقباله من قبل وفد رفيع من الداخلية السعودية.

الزيارة الرسمية الاولى للمشنوق منذ تعيينه وزيراً للداخلية عام 2014 أخذ الحريري "العلم بها" قبل سفر وزير الداخلية وليس "الأذن"! في مرحلة تصريف الاعمال يندر أن يوجّه الى وزير "يصرّف أعمال" دعوة لزيارة رسمية، خصوصاً إذا الجهة الداعية هي المملكة العربية السعودية عبر وزير داخليتها، وجدول الزيارة شهد لقاءات للمشنوق أمنية-سياسية على أعلى مستوى.

في شباط الماضي حطّ الحريري في الرياض، بناء على دعوة رسمية، لكن المشنوق لم يكن في عداد الوفد المرافق. كانت الزيارة السعودية الاولى لرئيس الحكومة بعد عودته عن إستقالته، التقى خلالها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وفسّرت وكأنها بمثابة "فتح صفحة جديدة" بين المملكة ورجلها الاول في لبنان.

يومها كشف المشنوق أن "أسباباً طارئة" حالت دون مرافقته لرئيس الحكومة، مؤكّداً أنه تلقى اتصالاً من وزير الداخلية السعودي لـ "السؤال والاطمئنان"، ودعاه إلى زيارة رسمية نهاية الشهر الحالي.

إنقضى شباط دون أن توجّه الدعوة للمشنوق. كانت الانتخابات النيابية على الابواب والمشنوق يعمل على جبهتين متصلتين: الأولى "جبهة" التحضير لمواكبة الداخلية للاستحقاق النيابي، و"جبهة" حماية نفسه من "تسونامي" قانون الانتخاب القائم على "الصوت التفضيلي" والأهمّ التصدي لمحاولات تحجيمه ضمن دائرته الانتخابية وصولاً الى "تطييره".

لكن المشنوق عاد والتقي نظيره السعودي عبد العزيز بن سعود بن نايف في الجزائر في 7 آذار الماضي على هامش مؤتمر وزراء الداخلية العرب في دورته الخامسة والثلاثين.

حضرت زيارة الحريري الى الرياض من ضمن محاور اللقاء الثنائي إضافة الى التحضيرات لـ "مؤتمر روما"، وتمّ إعادة التأكيد يومها على الزيارة المرتقبة للمشنوق الى الرياض لكن من دون تحديد موعد نهائي لها.

وكانت علاقة المشنوق بالسعودية، وقبل إستقالة الرئيس سعد الحريري، قد شهدت نوعاً من التوتر والجفاء بعد الانتخابات البلدية وفي خضمّ الصراع حول الانتخابات الرئاسية وصل الى حدّ كتابة مقالات في "الشرق الاوسط" ضده!

ففي حزيران 2016، أعلن وزير الداخلية أن "السعودية هي التي طلبت من الرئيس سعد الحريري تقديم التنازلات والذهاب إلى سوريا وإلى اتخاذ المواقف التي اتخذها للتقرّب من الخط السوري"، معتبراً أن "ترشيح النائب سليمان فرنجية لم يأت من سعد الحريري بل من وزارة الخارجية البريطانية مروراً بالأميركيين وصولاً للرياض".

في مفهوم السعوديين إعتبر هذا الكلام بمثابة "تبرير" من جانب المشنوق للهزيمة المدوّية التي تلقاها الحريري، وفريقه السياسي، في الانتخابات البلدية والتي توّجت أشرف ريفي آذناك حاكماً بأمره في المدينة!

بالوقائع، لم تكن مواقف المشنوق جديدة على السمع إذا سبق له عام 2009 إثر الزيارة غير المسبوقة للحريري الى سوريا إن أكد أن السعودية قد "أشرفت على تفاصيل الزيارة"، خصوصاً وأنها أتت كجزء من مسار إقليمي بدأ في قمة الكويت عبر المصالحة السعودية ـ السورية، واستمر حتى وصل الى إنجاز المصالحة اللبنانية ـ السورية، كما قال يومها.

لكن كلام المشنوق، بعد نحو ست سنوات من "التسوية" بين الرئيس بشار الاسد والحريري، كان له وقعاً مغايراً وإستدعى ردوداً سعودية مباشرة خصوصاً من جانب سفير المملكة آنذاك علي بن عواض عسيري، الذي إعتبر أن "لا مبرر لكلامه على الإطلاق"، نافياً التدخل السعودي بلبنان خصوصاً في مسألة رئاسة الجمهورية"، ومؤكّدا "الوزير المشنوق قال لي شخصياً خلال لقائي به أن كلامه يمثله شخصياً، ولا علاقة للرئيس الحريري به".

عملياً، ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة وجد السعوديون أنفسهم أمام وزير داخلية آخر. خطابات الارستقراطي البيروتي لا تزال تطنّ في الآذان، ليس فقط بهجومه اللاذع والقاسي ضد "حزب الله" إنما برسائله الايجابية للمملكة والتي أعقبت محنة إستقالة الحريري من الرياض حيث نسجت الروايات يومها عن إنقطاع "حبل السرة" بين المشنوق والسعودية.
في أحد خطاباته الانتخابية اشار وزير الداخلية الى الخطر الأكبر "لمن يهلّل لصورايخ الغدر والعدوان التي يطلقها عملاء إسرائيل على السعودية، صواريخ الفتنة التي لا تزيد المملكة الا صلابة وعروبة والمهلل بإطلاقها لا تزيده الا سقوطا وتخاذلاً".

نفى المشنوق دوماً خلال حملته الانتخابية الدعم الاميركي والسعودي لـ "تيار المستقبل" قائلاً "نحن نقاتل بالدعم السعودي المعنوي، ونقاتل باللحم الحي وبثقة الناس بنا وبمشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي دفع حياته بسبب هذا المشروع".

بعد المطبات الهوائية التي مرّت بها علاقة المشنوق بالمملكة إن خلال التحضير للانتخابات الرئاسية أو بعد إستقالة الحريري من الرياض، والتي تخلّلها موقف هو الأجرأ ضمن فريق رئيس الحكومة وصل الى حدّ رفض المشنوق "مبايعة بهاء الدين الحريري لأننا لسنا غنماً"، وقبل ذلك، تحديداً عام 2013، بعد تولي تمام سلام رئاسة الحكومة مجاهرة المشنوق بأن ليس هناك ليس ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺳﻌﻮﺩﻳﺔ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎﻥ ﻣﻨﺬ 4 ﺳﻨﻮﺍﺕ (فترة "تطيير" الحريري وتولي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة)، ﻭبأن ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺗﺘﺤﺮﻙ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﻣﻌﺎﻗﺒﺔ ﺍﻟﺤﻠﻔﺎﺀ ﻭﻣﺮﺍﺿﺎﺓ ﺍﻟﺨﺼﻮﻡ"... بعد كل هذه المراحل، يبدو جلياً أننا أمام نسخة معدّلة من العلاقة بين المشنوق والرياض. زيارة الـ VIP، شكلاً ومضموناً للاخير الى المملكة ليست مجرد تفصيل في توقيت بالغ الاهمية سياسياً إقليمياً ومحلياً.

فالحريري إستغنى عن خدمات المشنوق وزارياً، وربما لأجل غير مسمّى. العلاقة بين الرجلين عادية بشقها الشخصي وحذرة وجافة بشقها السياسي، فيما يجزم كثيرون بأن "الرجل القوي" ينفّذ إنسحاباً تكتيكياً هادئاً من "تنظيم المستقبل" وليس من ملعب الحريرية السياسية. وفي الوقت الذي تحتاج فيه علاقة رئيس الحكومة نفسه الى مزيد من "الصيانة" مع المملكة يحطّ المشنوق ضيفاً مدللاً لدى السعوديين على أبواب الحكومة الثالثة لسعد الحريري. يجدر فقط رصد مسار تداعيات الزيارة على أكثر من مستوى سيما "خارطة طريق" المشنوق بعد خروجه من الصنائع...

 

 

المصدر ك الكلمة أونلاين

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree