شريط الاخبار:

اختفاء بخاري

 

مرّة جديدة تقوم السعوديّة بتخطّي البروتوكول وتمارس السياسة على طريقة الاستدعاءات. الضحيّة هذه المرّة من أهل البيت، القائم بأعمالها في بيروت الوزير المفوّض وليد بخاري الذي باغتهُ قرار البلاط الملكي طلب "حضوره على الفور" إلى الرّياض.

يحسب متابعون أن طلباً من هذا القبيل ينمّ عادةً عند حصول تطوّر سياسي كبير يدفع البلد لاستدعاء ممثّله لإبلاغه رسالة سياسيّة أو وضعه بصورة أمر ما بالعادة يكون طارئاً، لكن في القاموس السعودي يختلف الموضوع. والعرف السائد يربط الاستدعاء بتوفّر النيّة لتنفيذ عمليّة اقتصاص! بات الاستدعاء عملة رائجة تحيل المستدعي إلى جهة، دون أن يكون مطّلعاً على سبب الاستدعاء، بل لزاماً عليه تنفيذ الأمر فوراً.

مع بدء سريان الخبر عقب تسريبه، ارادت سفارة الرياض في بيروت وضع حد للأقاويل التي راجت، فقامت بتسريب صورة للقاء جمع البخاري ومفتي بعلبك ــ الهرمل الشيخ خالد صلح في مكتب الأوّل. واللافت خلو الخبر من أيّة إشارة إلى تاريخ عقد اللقاء، ما أفرغَ مزيداً من التساؤلات كان من الافضل تجنّبها. كان تسريب الصورة أشبه بحادثة تسريب مماثلة حصلت قبل أشهر ولاقت شهرة، جمعت رئيس الحكومة (آنذاك) سعد الحريري والملك سلمان بن عبد العزيز خلال فترة استدعاء الأخير إلى الرياض أبّان الأزمة المعروفة.

خلافاً لذلك، تؤكّد المعلومات المتوافرة لـ"ليبانون ديبايت" أن بخاري غادرَ الاراضي اللبنانيّة مساء يوم الاثنين الواقع في 9 تموز الحالي على متن رحلة مباشرة إلى الرياض ومنذ ذلك الوقت انقطعت أخباره.

ويمكن بسهولة تأكيد معلومة سفره من خلال غيابه عن زيارة مؤسّسة الرئيس الراحل فؤاد شهاب بمتحفه في جونيه علماً أنه ضرب موعد لها في الثانية عشرة من ظهر يوم الثلاثاء (أمس الأول). وتندرج الزيارة ضمن فعاليّة تقيمها السفارة السعوديّة لتكريم الرئيس الراحل فؤاد شهاب وتلقى اهتماماً شخصيّاً من بخاري.

ثمّة تقدير أن سرعة الطلب وراء بخاري لم تترك مجالاً له لتجميع أوراقه. بالكاد استطاع جمع بعض الحاجيات ثم المغادرة. حتى أنه تركَ خلفه يتامى مثقّفين كانوا ينتظرون رعاية لقاء لهم من قبل سعادته. ولم يترك له مجال للاعتذار منهم بل تكفّل في ذلك سكرتير السفارة الذي اعتذر متحججاً بـ"ضرورات خاصة". فلماذا استدعيَ بخاري على وجه السرعة وبهذه الطريقة؟

يجري تداول عدّة أسباب للمغادرة الجزء الأكبر منها بعيداً عن مقاربة الواقع. بين تلك الروايات تجد واحدة طريقها للتصديق لكون يجري تداولها ضمن مجالس سياسيّة معنيّة وتحمل قدراً واسعاً من الثقة.

ثمّة اعتقاد راسخ في تلك المجالس أن هناك سببين يحملان القيادة السعوديّة على اجراء تغيير على مستوى سفارتها في بيروت وبالتالي استدعاء الممثّل الحالي.

السبب الأوّل له علاقة بنشاط القائم بالأعمال والذي يسرّب أن مرجعيّته تأخذ عليه ابتعاده عن الاهتمامات السياسيّة وتفضيله الأمور الاجتماعية ــ الثقافيّة، على شاكلة فعاليّة الـ"هارلي ديفيدسون" التي رعاها السفير في شوارع الحمراء، وحادثة ارتشاف القهوة التي جمعته بحشد من المغردين غير المعروفين في برمانا، أي قبل الاستدعاء بـ48 ساعة!

وسبب ثانٍ يقوم على حدوث تبدّل ظرفي طارئ في سلّم الاولويّات المحدّدة للدبلوماسيّة السعوديّة في بيروت. حدثَ ذلك مع تعيين دولة اقليميّة قطب سفيراً لها دلّ على تبدّل في عقليّة تلك الدولة في التعامل مع الملف اللبناني.

الاستدلال على الشق الثاني من الاسباب ليس صعباً إن جرى تمحيص خبر ورد ضمن اسرار إحدى الصحف، كشفَ عن نيّة دولة اقليميّة احداث تغيير على مستوى سفارتها في بيروت تزامناً مع تغيير آخر اجرته دولة أخرى معنيّة بالملف اللبناني، وذلك قبل يوم واحد فقط من "المغادرة القسرية" أيضاً.

يعني ذلك أن السياسة السعوديّة في بيروت مرشحّة للتبدّل في ضوء التغيير الآخر المتوقّع حدوثه عند دولة معنيّة أخرى. يتزامن ذلك مع "قبّة باط" أميركيّة عبّرَ عنها في الساعات الماضية وزير خارجية واشنطن مايك بومبيو الذي تحدّث عمّا سماه "سيناريو التصدّي للتهديدات الإيرانيّة الأخيرة والتلويح بتعطيل حركة الملاحة النفطيّة وإغلاق مضيق هرمز". اللافت في "السيناريو" ضمّ لبنان إليه بقوله إننا (الولايات المتحدة) "نعمل على تحجيم الحوثيين في اليمن، وحزب الله في سوريا ولبنان".

يُقاس هذا الموقف على تطوّر آخر مرشّح أن يبلغَ الدبلوماسيّة الأميركيّة في بيروت، إذ تتحضّر السفيرة الحالية اليزابيث ريتشارد لقضاء آخر ايّامها في بلاد الأرز قبل انتهاء ولايتها. ويُسرّب عن شخصيّات صديقة لدوائر قرار أميركيّة أن السفير المرشّح تعيينه في بيروت سيكون انعكاس كامل لمرجعيّته الممثّلة ببومبيو من حيث قاعدة التفكير والخطاب والتشدّد.

معنى ذلك أن الداخل اللبناني بشقه الدبلوماسي مُقبل على تبدّلات واضحة انعكاسها الأوّل يطال الملف الحكومي العالق. وتلحظ أوساط سياسيّة أن الاسبوع الحالي الذي تلا عودة الرؤساء من سفرهم يمرّ من دون حدوث أي تقدّم، والعقد لا تزال تراوح مكانها وهي مرشحة لأن تطول في حال لم يجري استيلاد الحكومة بولادة قيصريّة خلال أسبوع أو إثنين كأبعد تقدير. وسط ذلك كله ثمّة من لا يزال يُراهن على ولادة مبكرة للحكومة!

عبدالله قمح | ليبانون ديبايت

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree