شريط الاخبار:

هل يُقدّم الحريري التنازلات القُصوى للخروج من المأزق؟

ناجي س. البستاني

يُنتظر أن تحمل الساعات والأيّام المُقبلة إتصالات كثيفة على أكثر من خط في مُحاولة للخروج من المأزق الذي بلغته مساعي تشكيل ​الحكومة​ الجديدة، بسبب تراكم العقد الطائفية والمذهبيّة والسياسيّة والحزبيّة. وعلى الرغم من أنّ الأنظار ستكون مُوزّعة على أكثر من لقاء وإجتماع في بحر الأسبوع الطالع، لمعرفة ما ستؤول إليه نتائج الإتصالات، فإنّ التركيز الأكبر سيكون على حجم التنازلات التي سيكون رئيس الحُكومة المُكلف ​سعد الحريري​ الذي له في النهاية كلمة أساسيّة في عملية التشكيل بحسب الدُستور اللبناني، مُستعدّا لتقديمها. فهل الأمور تتجه نحو التسوية أم نحو مزيد من التصعيد؟.

إنّ إستجابة الحريري للضُغوط المُمارسة عليه من جانب أكثر من طرف، يعني عمليًا منح "الحزب التقدّمي الإشتراكي" وزيرين درزيّين فقط، ومنح حزب "القوات اللبنانيّة" ثلاثة وزراء فقط من دون أي حقيبة سيادية ولا منصب نيابة رئاسة الحُكومة، ومنح "تيّار المُستقبل" أربعة وزراء سُنّة إضافة إلى وزير مسيحي، إلى جانب منصب رئيس الحُكومة بطبيعة الحال. وهذا يعني حُصول هذا "الثلاثي" على 11 وزيرًا بينهم رئيس الحُكومة في حكومة ثلاثينيّة، في تراجع جديد عن حصّته في حكومة ​تصريف الأعمال​ الحالية والتي تبلغ 13 وزيرًا (من ضمنهم رئيس الحكومة) لكل من "المُستقبل" و"القوّات" و"الإشتراكي". ويُمكن القول إنّ هذه التنازلات هي أقصى ما يُمكن لرئيس الحُكومة المُكلّف تقديمه، باعتبار أنّ التخلّي عن أي وزير إضافي يعني الإفتقار للثلث الضامن حتى بالتحالف والتضامن بين قوى "​14 آذار​" السابقة، ويعني بالتالي عدم القُدرة عندها على الوُقوف بوجه أي مشروع أو قرار يتوافق عليه كل من "التيار الوطني الحُرّ" وقوى "8 آذار" السابقة أيضًا.

لكنّ هذه التنازلات القُصوى التي قد يُقدم عليها الحريري للخروج من الأزمة ولتأليف الحُكومة لن تكون محلّ ترحيب من قبل كل من "القوّات" و"الإشتراكي" بالتأكيد، وهي ستُمثّل تنازلاً من رئيس الحُكومة المُكلّف نفسه لصالح توزير شخصيّة سنّية غير محسوبة على "تيّار المُستقبل" حتى ولوّ في مقابل حُصوله على الحقّ بتوزير شخصيّة مسيحيّة محسوبة مباشرة عليه. لكنّ الحريري قد يُبرّر إقدامه عليها بأنّها تأتي في سياق تسوية شاملة لتشكيل الحُكومة وإنطلاق الجزء الثاني من العهد الرئاسي–إذا جاز التعبير، شبيهة بالتسوية السابقة التي حلّت عقدة ​رئاسة الجمهورية​ وسمحت بالتوصّل إلى قانون إنتخابي جديد وأطلقت عجلة الدولة من جديد. كما أنّ هذه التنازلات ستكون في مُقابل تقديم الأطراف الأخرى تنازلات مُقابلة، حيث لن يحصل "التيّار الوطني الحُرّ" على عدد كاف من الوزراء (مع إحتساب حصّة رئيس الجمُهوريّة)، للإستفادة من "الثلث الضامن"، ما سيجعله بحاجة إلى دعم دائم من قوى سياسيّة أخرى. والأمر نفسه سينطبق على "الثُنائي الشيعي" مع إحتساب القوى الحليفة له التي ستنضّم إلى الحُكومة المُقبلة، مثل "تيّار المردة" وغيره. وبالتالي، لن يحصل أي طرف سياسي على "الثلث المُعطّل" في الحُكومة المقبلة، ما سيفتح العمل الحُكومي على خيارات منوّعة للتعاون بين مُختلف القوى السياسيّة. أكثر من ذلك، لن يتنازل الحريري عندها سوى عن مقعد وزراي سنّي واحد، وليس عن مقعدين سنّيين كما يُطالب خُصومه، ما سيقطع الطريق على تمثيل شخصيّات سُنيّة مُعارضة له ما لم يُقرّر رئيس الجمهورية تبنّي أحدها عبر الوزير السنّي الذي سيحصل عليه في مُقابل التنازل عن وزير مسيحي لصالح الحريري.

وإذا كان دُخول بكركي على خط العلاقات المسيحيّة–المسيحيّة، في مُحاولة جديدة لوقف التدهور الحاصل بين "التيّار الوطني الحُرّ" و"القوّات اللبنانيّة"، فإنّ عودة رئيس الحكومة المُكلّف وغيره من كبار المسؤولين إلى لبنان، سيُشكّل فرصة جديدة لإطلاق مُبادرة أخرى على خط تشكيل الحُكومة. وسيكون من المُمكن عندها تحديد حجم التنازلات القُصوى التي يُمكن للقوى السياسيّة الرئيسة القُبول بها، للتوصّل إلى تسوية حُكومية مرضية لأوسع شرائح مُمكنة. وفي حال مرّ الأسبوع من دون تسجيل أي تقدّم ولوّ صغير في هذا المجال، فهذا سيكون مؤشّرًا إلى أنّ أطرافًا عدّة غير مُستعدّة لتقديم أي تنازلات في المرحلة المنظورة، وهي مُصرّة على تطبيق مُعادلات بعيدة عن منطق التسويات وفيها الكثير من منطق فرض الأكثريّة النيابيّة شروطها على الأقليّة النيابيّة من جهة، وإعتماد سياسة كسب الوقت في إنتظار ظروف داخليّة وإقليميّة أفضل من جهة أخرى.

وفي الخلاصة، الأنظار مشدودة إلى الحركة السياسيّة التي سيُطلقها الحريري لمعرفة مدى إستعداده لتقديم التنازلات على خط التأليف، ومدى إستعداد القوى الأخرى لمُلاقاته إلى مُنتصف الطريق، أو ربّما إلى مسافة أقلّ بقليل من النُصف، لتسهيل ولادة الحُكومة.

تواصلوا معنا عبر

We use cookies to improve our website. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. For more information visit our Cookie policy. I accept cookies from this site. Agree